ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
الحسن عليه السلام ابنه ، أشار عليه ألا يبرح عرصة المدينة ، ونهاه عن المسير إلى البصرة ، حتى قال له منكرا عليه إنكاره : ولا تزال تخن خنين الأمة ! وقد روى ابن هلال صاحب كتاب " الغارات " أنه كلم أباه في قتال أهل البصرة بكلام أغضبه ، فرماه ببيضة حديد عقرت ساقه ، فعولج منها شهرين . والغيهب : الظلمة ، والجمع غياهب . وإنما قال : " بعد ما ماج غيهبها " ، لأنه أراد : بعد ما عم ضلالها فشمل ، فكنى عن الضلال بالغيهب ، وكنى عن العموم والشمول بالتموج ، لان الظلمة إذا تموجت شملت أماكن كثيرة غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة . واشتد كلبها ، أي شرها وأذاها . ويقال للقحط الشديد كلب ، وكذلك للقر الشديد . ثم قال عليه السلام : " سلوني قبل أن تفقدوني " ، روى صاحب كتاب " الاستيعاب " وهو أبو عمر محمد بن عبد البر عن جماعة من الرواة والمحدثين ، قالوا : لم يقل أحد من الصحابة رضي الله عنهم : " سلوني " إلا علي بن أبي طالب . وروى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب " نقض العثمانية عن علي بن الجعد ، عن ابن شبرمة ، قال : ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر : " سلوني " إلا علي بن أبي طالب عليه السلام . والفئة : الطائفة ، والهاء عوض من " الياء " التي نقصت من وسطه ، وأصله " فئ " مثال " فيع " لأنه من فاء ، ويجمع على فئات ، مثل شيات وهبات ولدات . وناعقها : الداعي إليها ، من نعيق الراعي بغنمه ، وهو صوته نعق ينعق بالكسر نعيقا ، ونعاقا أي صاح بها وزجرها . قال الأخطل : فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا ( 1 ) .
--> ( 1 ) ديوانه 50